ماذا حدث؟
أعادت الحكومة الجزائرية ترتيب تعليم اللغات الأجنبية في المرحلة الابتدائية مقررة تدريس الإنجليزية وحدها في السنة الثالثة وتأجيل بدء الفرنسية إلى السنة الرابعة في خطوة تربوية سرعان ما تحولت إلى فصل جديد من الجدل بشأن الإرث الفرنسي ومكانة الإنجليزية في مستقبل البلاد.
أعلنت وزارة التربية الوطنية أن الإجراء سيدخل حيز التنفيذ بداية من الموسم الدراسي ألفين وستة وعشرين وألفين وسبعة وعشرين بحيث يبدأ التلاميذ تعلم الإنجليزية في السنة الثالثة ثم يدرسون الفرنسية إلى جانبها ابتداء من السنة الرابعة.
بررت الوزارة الإجراء بتحسين تعلم اللغات الأجنبية ضمن مقاربة جديدة تشمل أيضا تعزيز الإنجليزية في الشعب العلمية والتكنولوجية ولم تعلن بعد التفاصيل المتعلقة بالحجم الساعي الجديد أو الكتب والبرامج المعتمدة.
لماذا هذا مهم؟
تتجاوز رمزية القرار الجدول المدرسي لأن الإنجليزية تقدم رسميا بوصفها لغة العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي بينما ترتبط الفرنسية لدى قطاعات واسعة بتاريخ الاستعمار ونفوذ باريس الثقافي والسياسي.
ما زالت الفرنسية حاضرة بقوة في الإدارة والاقتصاد والطب والإعلام والتعليم العالي رغم أنها ليست لغة رسمية كما تختلط بالعربية الجزائرية والأمازيغية في التخاطب اليومي.
تشير تقديرات المنظمة الدولية للفرنكوفونية إلى وجود نحو خمسة عشر مليون ناطق بالفرنسية في الجزائر مما يجعلها من أكبر المجتمعات الناطقة بها عالميا رغم أن الجزائر ليست عضوا في المنظمة.
تكشف حركة الطلاب عن استمرار ثقل الفرنسية إذ أفادت بيانات نقلتها صحيفة لوموند بأن ثمانية وستين بالمئة من الطلبة الجزائريين الذين اختاروا الدراسة في الخارج خلال ألفين وأربعة وعشرين توجهوا إلى فرنسا مقابل خمسة بالمئة إلى كندا واثنين بالمئة إلى بريطانيا.
حصل أكثر من ثمانية آلاف وثلاثمئة وخمسين طالبا جزائريا على تأشيرات دراسية فرنسية في ألفين وخمسة وعشرين بزيادة قدرها ستة عشر بالمئة عن العام السابق مما يؤكد استمرار الجاذبية الفرنسية في المجال الأكاديمي.
تراهن الجزائر على الإنجليزية لفتح مسارات أوسع أمام طلابها في البحث العلمي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والأسواق الدولية بعد أن شملت المرحلة الأولى من إدخالها إلى الابتدائي حصتين أسبوعيا مدة كل منهما خمس وأربعين دقيقة لتلاميذ السنتين الثالثة والرابعة.
ماذا بعد؟
لا تبدو الفرنسية في طريقها إلى الاختفاء من الجزائر لكن موقعها بوصفها اللغة الأجنبية الأولى لم يعد محسوما لأن القرار الجديد يمنح الإنجليزية أسبقية زمنية ورمزية داخل المدرسة بينما تحتفظ الفرنسية بشبكة واسعة من المصالح الاجتماعية والأكاديمية والاقتصادية.
سيكون الاختبار الحقيقي في قدرة المنظومة التعليمية على تحويل الإنجليزية من شعار سياسي إلى كفاءة فعلية من دون إضعاف إتقان الفرنسية أو تحميل التلاميذ كلفة انتقال لغوي غير مكتمل.
يشمل التحدي توفير مدرسين متمكنين وإعداد مصطلحات علمية موحدة وإنتاج مناهج مناسبة ومنع اتساع الفوارق بين مدارس المدن والمناطق النائية.
