ماذا حدث؟
بدأت الحكومة المصرية مراجعة شاملة لعقود المشروعات العقارية المبرمة بين المطورين والمواطنين في تحرك يستهدف ضبط سوق شهد خلال السنوات الأخيرة حالات تأخر في تسليم وحدات سكنية بالتزامن مع ارتفاع تكاليف البناء وتراجع القدرة الشرائية للعملاء.
يأتي التحرك في أعقاب توجيهات مباشرة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بضرورة المتابعة المستمرة والدقيقة لمدى التزام المطورين بالعقود المبرمة مع المواطنين وعدم التأخر في تسليم الوحدات أو تنفيذ البنية الأساسية والمرافق المرتبطة بالمشروعات.
شدد السيسي على أن العقود المبرمة مع المواطنين يجب احترامها مؤكدا ضرورة الالتزام بمواعيد التسليم المحددة موجها بالتعامل الحاسم مع هذا الملف.
قال مصدر بوزارة الإسكان المصرية إن الوزارة أطلقت مراجعة شاملة وحازمة للعقود المبرمة بين المطورين والمواطنين مع التركيز على حالات التقاعس عن تسليم الوحدات أو عدم الالتزام بالمواعيد والاشتراطات التعاقدية.
أوضح أن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وأجهزة المدن الجديدة تلقت توجيهات بتشديد الرقابة والمتابعة الميدانية لعقود تخصيص الأراضي المبرمة مع المطورين للتأكد من الالتزام بالبرامج الزمنية ونسب التنفيذ المحددة في التعاقدات.
تشمل الإجراءات تكثيف التفتيش الدوري على المشروعات ومقارنة معدلات البناء الفعلية بالجداول الزمنية المعتمدة مع اتخاذ إجراءات فورية في حالات التأخير أو التقصير من بينها توقيع غرامات التأخير المقررة وفقا للقواعد المنظمة.
لماذا هذا مهم؟
تأتي تلك المراجعة في وقت يواجه فيه القطاع العقاري المصري ضغوطا كبيرة بعدما أدت التطورات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة إلى ارتفاع تكاليف مواد البناء والإنشاءات عقب انخفاض قيمة الجنيه بأكثر من ستين بالمئة إثر تحرير سعر الصرف في مارس ألفين وأربعة وعشرين.
يرى مراقبون أن بيع العقارات في مصر يزداد حساسية بسبب طبيعة نموذج البيع السائد إذ تعتمد غالبية المشروعات على البيع على الخريطة حيث يدفع العميل مقدما يتراوح عادة بين ثلاثة وعشرة بالمئة من قيمة الوحدة ثم يسدد باقي المبلغ على أقساط قد تمتد إلى أربعة عشر عاما بينما يتم التسليم في كثير من المشروعات خلال نحو خمس سنوات.
وبالتالي فإن أي تأخير في التنفيذ قد يترك العميل لسنوات ملتزما بسداد أقساط مقابل أصل لم يحصل عليه في الموعد المتفق عليه.
يرى الخبير العقاري طارق عيد أن الأزمة لا ينبغي التعامل معها فقط من زاوية محاسبة المطور المتعثر بعد وقوع المشكلة وإنما عبر إعادة تنظيم السوق من البداية موضحا أن التوسع الكبير في المشروعات العقارية ودخول عدد كبير من الشركات الناشئة ذات الخبرة والملاءة المالية المحدودة خلق فجوة بين حجم المشروعات وقدرة بعض الشركات على تمويلها.
أوضح أن منح المطور مشروعا بمليارات الجنيهات بينما لا يمتلك ملاءة مالية تتناسب مع هذا الحجم يمكن أن يؤدي إلى أزمة تمويلية عند حدوث أي تباطؤ في المبيعات.
ماذا بعد؟
أشار عيد إلى ضرورة تنفيذ قرار سابق بعدم الإعلان عن المشروعات العقارية إلا بعد تحقيق نسبة ثلاثين بالمئة من الإنشاءات معتبرا أن عدم تنفيذ القرار بالشكل المطلوب أفقده قدرته على حماية المشترين.
وطالب بإضافة بند واضح في العقود العقارية لفرض غرامات تأخير على المطور على غرار الغرامات المفروضة على العميل عند تأخره في سداد الأقساط.
يرى الباحث الاقتصادي أبوبكر الديب أن تدخل الرئيس المصري يمثل رسالة واضحة بأن الدولة تتجه إلى مرحلة أكثر صرامة في إدارة ملف الأراضي والاستثمارات مشددا على أن الحصول على أرض مخصصة للاستثمار يرتب التزاما قانونيا واقتصاديا على المستثمر.
يشدد على أهمية التفرقة بين المستثمر الجاد الذي واجه ظروفا استثنائية ويعمل على تصحيح موقفه وبين من حصل على الأرض ثم لم يلتزم بالغرض المخصص لها أو بالمواعيد والاشتراطات المتفق عليها دون مبررات حقيقية.
يعتقد أن نجاح المراجعة يتوقف على تنفيذها بصورة مؤسسية وشفافة بما يحقق حماية حق الدولة في أراضيها وطمأنة المستثمر الجاد إلى أن الإجراءات لا تستهدف الاستثمار وإنما تستهدف عدم الالتزام.
