ماذا حدث؟
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن إدارته تراجع بجدية إمكانية خفض أعداد القوات الأمريكية المتمركزة في ألمانيا، مؤكداً أن القرار النهائي بهذا الشأن سيصدر في وقت قريب جداً.
وجاء هذا الإعلان عقب مشادة كلامية وتوتر دبلوماسي مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي انتقد سير المفاوضات الرامية لإنهاء الحرب في إيران، معتبراً أن طهران تذل الولايات المتحدة في هذه المحادثات.
وقد قوبلت هذه التصريحات بغضب من ترامب الذي اتهم ميرتس بالجهل بالواقع، رابطاً بين هذا الموقف وبين الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها ألمانيا، مما دفعه للتلويح بسحب آلاف الجنود الأمريكيين الذين يتمركزون في قواعد استراتيجية هامة مثل قاعدة “رامشتاين” الجوية ومقر القيادة الأوروبية في شتوتغارت.
لماذا هذا مهم؟
تكمن أهمية هذا التهديد في كونه يمس ركيزة أساسية من ركائز التحالف الأمني بين واشنطن وأوروبا، حيث تعد ألمانيا المركز الرئيسي للعمليات العسكرية الأمريكية في القارة العجوز والشرق الأوسط منذ عقود.
إن سحب القوات ليس مجرد إجراء عقابي سياسي، بل هو تعبير عن استياء إدارة ترامب من ضعف المشاركة الألمانية والأوروبية في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لا سيما رفض بعض الدول إرسال قطع بحرية للمساعدة في تأمين مضيق هرمز.
كما أن هذا القرار يضع حلف شمال الأطلسي (ناتو) أمام اختبار حقيقي حول مدى التزام الولايات المتحدة بحماية حلفائها، ويشير إلى تحول جذري في العقيدة الدفاعية الأمريكية التي باتت تربط الوجود العسكري بمدى التزام الحلفاء بالمشاركة الفعلية في الأعباء والحروب المشتركة.
ماذا بعد؟
يُنتظر أن تشهد الأسابيع القليلة المقبلة مفاوضات مكثفة بين برلين وواشنطن لمحاولة احتواء الأزمة وتجنب التنفيذ الفعلي لسحب القوات، وهو ما بدا واضحاً في تصريحات ميرتس الذي حاول تهدئة الأجواء بوصف العلاقة مع ترامب بأنها لا تزال بناءة.
ومع ذلك، فإن إصرار ترامب على ربط الوجود العسكري بالنتائج السياسية والاقتصادية قد يدفع ألمانيا وأوروبا إلى البدء في تعزيز قدراتهم الدفاعية الذاتية وتقليل الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية.
وإذا ما نُفذ قرار السحب، فإن ذلك سيؤدي إلى إعادة رسم خارطة النفوذ العسكري في أوروبا، وقد يفتح الباب أمام دول أخرى في الحلف لاستضافة تلك القوات، بينما ستواجه ألمانيا تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة نتيجة إخلاء القواعد التي كانت تمثل شرياناً حيوياً لمناطق واسعة في البلاد، مما يضع مستقبل التعاون عبر الأطلسي على المحك.
