ماذا حدث؟
يمر لبنان بمرحلة شديدة التعقيد تتسم بجمود سياسي وميداني ناتج عن تباين الرؤى حول كيفية إنهاء الصراع الدائر وتعديل نمط الاشتباك العسكري.
ويبرز في هذا المشهد دور رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يسعى، بصفته المفوض سياسياً من حزب الله، إلى إقناع الحزب بضرورة التعاطي مع نتائج الحرب والضغوط الإنسانية المتزايدة، خاصة ملف النازحين الذي لم يعد قابلاً للاستدامة.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه العمليات العسكرية مستمرة ضمن أطر جغرافية وزمنية محددة، تفتقر الساحة اللبنانية إلى توافق فعلي بين القوى السياسية الكبرى حول طبيعة المرحلة المقبلة أو آلية التفاوض، مما جعل البلاد تعيش حالة من الفوضى المحدودة التي لم تصل إلى حد وقف إطلاق النار المكتمل، ولم تنجح في استعادة الدولة لسيادتها الكاملة.
لماذا هذا مهم؟
تكمن خطورة هذا الوضع في تحذيرات دولية، فرنسية على وجه الخصوص، من انزلاق لبنان نحو فوضى شاملة أو حرب أهلية، نتيجة ارتفاع مستوى الاحتقان الداخلي وبروز مصطلحات تقسيمية في الخطاب الإعلامي مثل الانفصال والكونفدرالية.
إن أهمية الدور الفرنسي تظهر في محاولة باريس حماية مصالحها ومستقبل دورها في لبنان، المرتبط بدعم الجيش اللبناني وإعادة الإعمار والترتيبات الحدودية الجنوبية.
كما يمثل سلاح حزب الله وحصرية قرار الحرب والسلم العقدة الأبرز، حيث تفتقر الدولة اللبنانية إلى الأدوات التنفيذية لفرض سيادتها، بينما تخشى القوى الدولية من أن يؤدي انهيار التوازن الهش الحالي إلى انفجار داخلي لا يمكن السيطرة عليه، خاصة مع ظهور سلوكيات أمنية لجهات ومجموعات تسعى لإثبات وجودها ميدانياً بعيداً عن سلطة القانون.
ماذا بعد؟
يبدو أن المسار الحالي لا يتجه نحو هدنة تقليدية وشيكة، بل نحو محاولة إعادة تعريف استخدام القوة من قبل حزب الله وتعديل استراتيجيته بما يتوافق مع الضغوط الداخلية والإقليمية.
ومن المتوقع أن تشهد الفترة القادمة تكثيفاً للمشاورات الفرنسية والدولية لدعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته البشرية والتجهيزية، ليكون قادراً على لعب دور أكبر في الجنوب اللبناني وضبط الأمن الداخلي.
وسيبقى لبنان عالقاً في دائرة الانتظار حتى تتبلور نتائج الحوار بين الثنائي الشيعي والشركاء السياسيين، مع بقاء التحدي الأكبر متمثلاً في قدرة مؤسسات الدولة على الانتقال من “العمل اليومي” المحدود إلى فرض سلطة فعلية تنهي ازدواجية السلاح، وتضمن عودة النازحين وبدء عمليات إعادة الإعمار في ظل استقرار دائم يحمي البلاد من شبح النزاعات الأهلية.
