دبي… حين تحدّثت المدن

بقلم – إسراء البابلي

ما إن وطأت قدماي أرض دبي، حتى شعرت أنني لا أدخل مدينةً فحسب، بل أدخل حكايةً كُتبت بين الرمل والسماء.‎

رفعت عيني إلى تلك الأبراج التي تعانق الغيم، فبدت لي وكأنها أشجارٌ نبتت من قلب الصحراء، لا تسقيها المياه، بل تسقيها الأحلام.‎

وقفت أتأملها طويلًا، وسألتها في سري: ‎”كيف وصلتِ إلى هنا؟”

‎فكأن دبي ابتسمت وقالت:‎”لم أصل… بل آمنت. آمنت أن المستحيل كلمة يخافها البعض، بينما أتخذها أنا نقطة بداية.”‎

هناك، بين الطرقات الواسعة والأبنية الشاهقة والأضواء التي لا تنطفئ، شعرت أن لكل حجر قصة، ولكل زاوية ذكرى، ولكل شارع رسالة تقول للمارّين:‎”لا تخف من حلمك… فهنا وُلدت أحلام أكبر مما تتخيل.”‎

كنا نسمع دائمًا أن أمريكا هي أرض الأحلام، لكنني حين رأيت دبي، شعرت أنها أصبحت أرض الفرص؛ المدينة التي تفتح أبوابها للقادمين من كل الجهات، لا تسألهم من أين أتوا، بل تسألهم: ماذا تحملون من طموح؟‎

وفي وجوه أهلها رأيت شيئًا مختلفًا…

‎رأيت ملامح العرب الأصيلة التي لم تُخفها الحداثة، ولم تُبددها سرعة الزمن.‎

في شبابهم شموخٌ يشبه النخيل، كلما اشتدت عليه الرياح ازداد ثباتًا.‎

وفي كبارهم وقارٌ يشبه البحر؛ هادئًا في ظاهره، عميقًا في معناه.

‎كنت أتأمل الناس من حولي فأشعر أن المكان لا يصنعه الحجر وحده، بل يصنعه الإنسان.‎

ولعل هذا ما يجعل المدن العظيمة حيّةً في ذاكرة من يزورها.

‎أخبرتني صديقتي عن قصة الإمارات السبع…‎

كيف اجتمعت القلوب قبل أن تجتمع الحدود.‎

كيف اختارت سبع إمارات أن تكون يدًا واحدة، وقلبًا واحدًا، ومستقبلًا واحدًا.

‎وكلما استمعت إلى الحكاية، شعرت أن الاتحاد لم يكن قرارًا سياسيًا فحسب، بل كان قصة إخوةٍ أدركوا أن القوة في الاجتماع، وأن المجد حين يُقسم بين القلوب يكبر ولا ينقص.‎

وفي تلك الليلة، تخيلت أن المدن نفسها بدأت تتحدث إليّ…‎

اقتربت مني دبي أولًا، بثوبها المضيء، وقالت: ‎”أنا ابنة الحلم… أركض نحو الغد دون أن ألتفت كثيرًا إلى الخلف. أحب المغامرة، وأؤمن أن السماء ليست سقفًا للطموح.”‎

ثم جاءت أبوظبي بخطوات هادئة، تشبه حكماء الزمان، وقالت:‎ “أما أنا فلا أرفع صوتي كثيرًا، فالقوة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج. أنا مدينة تعرف قيمتها، لذلك تمشي مطمئنة.”

‎ثم أقبلت الشارقة، تحمل كتابًا بيد وتراثًا بيد أخرى، وقالت:‎”أنا ذاكرة المكان. أحرس الحكايات القديمة كي لا تبتلعها سرعة الأيام. أؤمن أن الأمم التي تنسى ماضيها تفقد جزءًا من روحها.”

‎فابتسمت وأنا أستمع إليهن، وكأن الإمارات لم تعد مدنًا، بل شخصيات أعرفها منذ زمن.‎

دبي كانت المستقبل.‎

وأبوظبي كانت الحاضر الواثق.‎

أما الشارقة فكانت الذاكرة التي تحفظ الجذور.‎

وفي كل مكان زرته، كنت أكتشف سرًا جديدًا.‎

أحيانًا كان السر في مبنى شاهق.‎وأحيانًا في مسجد هادئ.‎

وأحيانًا في ابتسامة عابرٍ لا أعرف اسمه.

‎فهمت يومها أن جمال المدن لا يُقاس بما تملكه من أبراج، بل بما تتركه من أثر في القلوب.

‎وحين أوشكت الرحلة على نهايتها، وقفت أتأمل الأفق للمرة الأخيرة.

‎كان الغروب يرسم ألوانه فوق السماء، وكأن الصحراء القديمة ما زالت هناك، تراقب بصمت ما أصبح عليه أبناؤها.

‎شعرت أن الرمال نفسها تهمس:‎”بالأمس كنتُ صحراء يراها الناس فراغًا… واليوم أصبحتُ درسًا للعالم كله بأن الأحلام العظيمة لا تحتاج إلا إلى إرادة عظيمة.”‎

وغادرت المكان، لكن شيئًا مني بقي هناك…‎

بقي بين الأبراج التي تعانق السحاب.‎

وبين الحكايات التي ترويها الشوارع.‎وبين مدنٍ لم أرها مجرد مدن، بل رأيتها قصائد كُتبت على أرض الواقع.‎

وفي قلبي ظل صوت دبي يتردد:”إذا كان لبعض المدن تاريخٌ ترويه… فأنا حلمٌ ما زال يُكتب

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *