ماذا حدث؟
تدخل الحرب الروسية الأوكرانية مرحلة تتغير فيها وظيفة الهجمات الجوية، إذ لم تعد موسكو- وفق قراءة سيد غنيم الأستاذ الزائر في الناتو والأكاديمية الملكية العسكرية- تسعى إلى تدمير كييف دفعة واحدة بل إلى إبقاء الدفاعات الأوكرانية في حالة استنفار دائم واستنزاف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية.
قال غنيم إن روسيا تستفيد من انخفاض كلفة المسيرات مقارنة بوسائل اعتراضها وكلما ارتفع عدد الطائرات المهاجمة تراجعت قدرة الدفاعات الأوكرانية على إسقاطها بالكامل ما يجعل الإغراق الجوي وسيلة لتعطيل المدينة وتحويل الإنذارات إلى جزء من الحياة اليومية.
بحسب غنيم لا يمكن قياس فاعلية المسيرات بعددها فقط بل بثلاثة عناصر رئيسية هي قدرتها على اختراق الدفاعات الجوية ودقة إصابة الهدف وحجم التأثير الذي تحدثه عند الوصول إليه.
يشير إلى أن المسيرة قد تؤدي وظيفة قريبة من الصاروخ مع اختلاف نوع الرأس الحربية وحجمها لذلك تظل كثافة الهجمات ذات قيمة عسكرية حتى إذا لم تصل جميع الطائرات إلى أهدافها لأنها تجبر الجانب المدافع على إطلاق صواريخ مرتفعة الكلفة واستنفار منظوماته باستمرار.
يشرح غنيم أن الحديث عن إنتاج روسيا عشرة ملايين مسيرة سنويا يعني توفير أكثر من ثمانمئة ألف مسيرة شهريا ما يمنح موسكو القدرة على تنفيذ موجات هجومية يومية بأعداد كبيرة.
في هذه المعادلة لا يصبح السؤال متعلقا بعدد المسيرات المطلقة وحده بل بعدد الأهداف التي تستطيع الدفاعات اعتراضها مقارنة بحجم الهجوم وكلفة الصواريخ المستخدمة في مواجهتها.
لماذا هذا مهم؟
أما الحديث عن تعبئة روسية قد تصل إلى ثلاثمئة ألف مقاتل فيرى غنيم أنه ليس جديدا مشيرا إلى أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تحدث عن هذا الرقم عام ألفين وأربعة وعشرين قبل أن يتكرر طرحه في ألفين وستة وعشرين.
يربط غنيم تداول الرقم بثلاثة أهداف هي التأثير في معنويات الجنود والشباب الأوكرانيين وإثارة الغضب داخل روسيا إذا توسعت عمليات التعبئة وتخويف الدول الأوروبية لدفعها إلى زيادة دعمها العسكري لكييف.
السؤال الأهم وفق غنيم يتعلق بالوظيفة الميدانية لهذه القوات فهو يستبعد أن يحتاجها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمهاجمة دول البلطيق أو أوروبا ويرجح استخدامها لاستكمال السيطرة على مدن ومناطق في إقليم دونباس.
يوضح غنيم أن العمليات البرية الواسعة لا تعتمد على توزيع القوات بالكثافة نفسها على جميع الجبهات بل على تركيزها في قطاع محدد لتنفيذ ما يعرف بالضربة الرئيسية أو المجهود الرئيسي.
يحدد عددا من القطاعات المرتبطة بهذا الجهد من بينها كراماتورسك وسلوفيانسك وكوستانتينيفكا وليمان ويرى أن وصول القوات الروسية إلى الخطوط ذات الأهمية التعبوية في هذه المنطقة قد يعني اقتراب انتهاء المعارك الرئيسية في دونباس.
من هنا يفسر اعتماد روسيا على هجمات تكتيكية تستهدف مساحات محدودة بعدما أصبح الوصول إلى العمق الاستراتيجي باتجاه كييف هدفا غير متحقق.
بدلا من محاولة اقتحام العاصمة تركز موسكو على السيطرة التدريجية على الأرض وإضعاف قدرة أوكرانيا على مواصلة القتال.
ماذا بعد؟
في المقابل يؤكد غنيم أن أوروبا لم تتخل عن أوكرانيا بل تعمل على تحويلها إلى نطاق دفاع متقدم وإلى قلعة صناعية قادرة على إنتاج الأسلحة واستيعاب الدعم الأوروبي.
يرى أن هذا التحول غير أولويات بوتين فبدلا من التركيز على الوصول إلى كييف وإسقاطها بات الهدف الروسي يتمثل في السيطرة على مزيد من الأراضي وإجهاد القاعدة الصناعية والعسكرية التي تعمل أوروبا على بنائها داخل أوكرانيا.
يمتد خطر المسيرات بحسب غنيم إلى خارج الأراضي الأوكرانية خصوصا مع وصول مسيرات روسية إلى رومانيا خلال الأسابيع الماضية واحتمال دخولها أجواء بولندا أو دول البلطيق.
تثير هذه الحوادث تساؤلات بشأن المادتين الرابعة والخامسة من معاهدة الناتو فالمادة الرابعة تتيح للدولة العضو طلب التشاور عندما ترى أن أمنها مهدد بينما ترتبط المادة الخامسة بمبدأ الدفاع الجماعي وقد تفتح الباب أمام مواجهة أوسع.
يخلص غنيم إلى أن موسكو تجمع بين مسيرات تستنزف الدفاعات الأوكرانية وتختبر رد فعل الناتو وقوات برية يمكن تركيزها لتحقيق اختراقات في دونباس بالتوازي مع استهداف القدرة الصناعية والعسكرية التي تعمل أوروبا على بنائها داخل أوكرانيا.
