سر السوفيت.. كيف استهدفت روسيا أنظمة تدفئة أوكرانيا؟

سر السوفيت.. كيف استهدفت روسيا أنظمة تدفئة أوكرانيا؟

ماذا حدث؟

في ذروة شتاء قاسٍ تُعدّ درجاته من الأشد منذ اندلاع الحرب، وجد ملايين الأوكرانيين أنفسهم بلا تدفئة أو كهرباء، مع انخفاض الحرارة إلى ما دون عشرين درجة مئوية تحت الصفر.

خلال موجة هجمات مكثفة، استهدفت روسيا محطات طاقة وشبكات كهرباء وعُقد تدفئة ومضخات مياه في مدن عدة، وعلى رأسها كييف.

عقب ضربات 20 يناير، فقدت آلاف المباني السكنية التدفئة، وتضرر ما يقارب نصف العاصمة من انقطاع مزدوج للكهرباء والحرارة، ما دفع السلطات إلى إقامة خيام تدفئة طارئة.

الرئيس فولوديمير زيلينسكي وصف الوضع بحالة طوارئ طاقوية، في وقت تواصلت فيه الغارات على مدن أخرى، مُظهِرة نمطًا متكررًا يستهدف البنية الحيوية في توقيت بالغ الحساسية.

لماذا هذا مهم؟

تكتسب هذه الهجمات خطورتها من طبيعتها المُنتقاة بعناية، إذ تستند إلى معرفة روسية عميقة ببنية أنظمة الطاقة والتدفئة الأوكرانية التي تعود جذورها إلى الحقبة السوفيتية.

لعقود طويلة، كانت أوكرانيا جزءًا من شبكة مركزية موحّدة للطاقة، جرى تنسيقها وإدارتها تقنيًا من موسكو، ما منح روسيا فهمًا تفصيليًا لمواقع الاختناق ونقاط الضعف.

يعتمد كثير من المدن الأوكرانية على أنظمة التدفئة المركزية، حيث تُسخَّن المياه في محطات حرارية ثم تُضخ عبر شبكات أنابيب إلى أحياء كاملة. أي عطب في محطة ضخ أو خط نقل رئيسي قد يوقف التدفئة عن عشرات الآلاف دفعة واحدة.

في ظروف البرد القارس، يتحول انقطاع الكهرباء إلى تهديد مضاعف، إذ قد تتجمد المياه داخل الأنابيب وتنفجر، ما يفاقم الأضرار ويطيل زمن الإصلاح.

إلى ذلك، تُظهر الهجمات نمط “الضربة المزدوجة”، حيث تُستهدف المواقع نفسها بعد إصلاحها، ما يرهق فرق الصيانة ويعرضها للخطر، ويضاعف كلفة التعافي.

هذه الاستراتيجية لا تُعطّل الطاقة فحسب، بل تضرب قدرة الدولة على حماية المدنيين واستمرار الخدمات الأساسية، من مستشفيات ونقل ومرافق عامة.

ماذا بعد؟

المشهد المقبل يبدو مفتوحًا على تحديات قاسية. على المدى القصير، ستسعى السلطات الأوكرانية إلى إصلاح الأعطال بأسرع ما يمكن، مع إعادة توزيع محدودة للطاقة في نظام يكاد يعمل عند حافته القصوى، بعدما تضررت نسبة معتبرة من قدرات التوليد.

الاعتماد الكبير على الطاقة النووية، إلى جانب محطات الفحم والغاز، يعكس مركزية عالية تُسهّل الاستهداف وتُصعّب المرونة.

في المقابل، قد تُكثّف كييف إجراءات الحماية، وتُغيّر جداول الإصلاح لتفادي الاستهداف المتكرر، وتوسّع حلول التدفئة الطارئة للفئات الأكثر ضعفًا.

على المدى الأبعد، تُرجّح هذه الهجمات تسريع التحول نحو أنظمة أقل مركزية وأكثر مرونة، وربما تعزيز الربط الأوروبي الذي بدأ منذ 2022، بهدف تقليص قابلية الشبكات للتعطيل الشامل.

غير أن أي نظام طاقة، مهما بلغت كفاءته، لا يُصمَّم لتحمّل قصف مستمر. وبين ضغط الشتاء واستراتيجية الاستنزاف، يبقى المدنيون في صلب المواجهة، حيث تتحول المعرفة التقنية الموروثة من زمن السوفيت إلى سلاح يضاعف كلفة الحرب الإنسانية.

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *