ماذا حدث؟
قد يبدأ الأمر بمقطع مصور بهاتف محمول في أحد شوارع مصر قبل أن ينتشر على منصات التواصل ويتحول خلال ساعات من مادة للتفاعل إلى خيط يقود الأجهزة الأمنية نحو واقعة لم تتلق بشأنها بلاغا رسميا.
منشورات فيسبوك ومقاطع تيك توك وغيرها لم تعد مجرد محتوى عابر وفي حالات متكررة تعلن الأجهزة الأمنية فحص مشاهد متداولة وتحديد الأشخاص أو المواقع الظاهرة فيها ثم اتخاذ الإجراءات القانونية إذا ثبت وقوع مخالفة أو جريمة.
لا يعني هذا التحول أن منصات التواصل أصبحت بديلا عن أقسام الشرطة وقنوات الإبلاغ الرسمية لكنها أضافت مصدرا جديدا للمعلومات وجعلت ملايين الهواتف قادرة على توثيق الحوادث والاعتداءات والمخالفات لحظة وقوعها.
يقول مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق لأمن المعلومات والجرائم الإلكترونية اللواء محمود الرشيدي إن منصات التواصل أصبحت مصدرا مهما لرصد الجرائم والمخالفات مع اتساع الاعتماد على الإنترنت والتكنولوجيا.
يوضح أن التطور الرقمي أفرز أنماطا جديدة من الجرائم تشمل التشهير والابتزاز والتهديد وانتهاك الخصوصية لكنه أتاح في المقابل للمواطنين تصوير الوقائع في الطرق والأماكن العامة ونشرها بسرعة.
في هذه الحالات يتحول المواطن بحسب الرشيدي إلى شاهد عيان فيما تستطيع الأجهزة الأمنية تحليل ما ينشر والتحقق من الوقائع الواردة فيه بما يساعد على تسريع الاستجابة والوصول إلى الأطراف المرتبطة بها.
يشير إلى امتلاك وزارة الداخلية إمكانيات تقنية وكوادر متخصصة للتعامل مع البلاغات الإلكترونية والاستعانة بالأدوات الفنية ومنها تحديد عناوين بروتوكول الإنترنت المرتبطة ببعض الوقائع وفقا للإجراءات المتبعة.
يقول أستاذ العلوم السياسية واستشاري الأمن أحمد الشحات إن التغطية الأمنية الكاملة لا يمكن أن تعتمد على الأجهزة وحدها ما يجعل تعاون المواطنين وسرعة الإبلاغ عاملين مهمين في كشف الوقائع.
يرى أن المنصات توفر وسيلة إضافية لنقل البلاغات إلى الجهات المعنية ومنها الصفحات الرسمية لوزارة الداخلية لكنها تضع الأجهزة أمام اختبار سرعة الاستجابة ودقة التحقق.
يوضح أن فحص المحتوى لا يقتصر على مضمون المنشور بل يشمل توقيت النشر وتاريخ التصوير والمعطيات المرتبطة بالمكان والسياق قبل اتخاذ الإجراء المناسب.
تقول أستاذة الذكاء الاصطناعي رحاب الرحماوي إن هذه التقنيات تستطيع التعامل مع حجم من النصوص والصور والفيديوهات يستحيل على الإنسان متابعته يدويا وتصنيف المحتوى ورصد التغيرات المفاجئة ثم تقديم المواد التي تحتاج إلى تحقق للمحلل البشري.
لماذا هذا مهم؟
يبرز أن المنصات ليست دليلا أمنيا بحد ذاتها بل مصدر إشارة يجب فحصه عبر أكثر من مصدر والتأكد من الزمان والمكان والسياق.
يحذر من أن إعادة نشر مقاطع قديمة باعتبارها أحداثا جديدة قد تثير البلبلة وتقدم صورة غير دقيقة عن الوضع الأمني ما يفرض تطوير أدوات الرصد باستمرار.
تزداد أهمية التحقق مع إمكان إنتاج فيديوهات وبلاغات مصطنعة باستخدام الذكاء الاصطناعي فالتقنية أداة للرصد ومصدر للخطر في الوقت نفسه.
لم يعد التحدي نقص المعلومات بل العثور على الواقعة الحقيقية وسط ضوضاء رقمية هائلة وتحويل ملايين المنشورات إلى عدد محدود من الإنذارات المهمة.
يساعد الربط السريع بين الإشارات على تسريع الوصول إلى المخالفين دون أن يغني عن الإجراءات القانونية التقليدية والتحقق الميداني.
ماذا بعد؟
من المتوقع أن تتوسع الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في فرز المحتوى المتداول مع الإبقاء على دور المحلل البشري في التحقق النهائي.
قد تواصل وزارة الداخلية تطوير أدوات الرصد والصفحات الرسمية لتلقي الإشارات الرقمية إلى جانب قنوات البلاغ التقليدية.
يظل نجاح هذا المسار مرهونا بالقدرة على التمييز بين الواقعة الحقيقية والمحتوى المفبرك أو القديم قبل أي تحرك أمني.
