ماذا حدث؟
لم يعد إرسال الأدوية والبروتينات إلى الفضاء مقتصرا على التجارب العلمية إذ تتجه شركات أدوية وتكنولوجيا حيوية إلى استكشاف إمكانية تصنيع مواد دوائية خارج الأرض مستفيدة من بيئة الجاذبية الصغرى التي قد توفر خصائص يصعب تحقيقها على كوكبنا.
تزداد أهمية هذه التجارب مع اقتراب تقاعد محطة الفضاء الدولية بنهاية العقد الجاري مما يدفع الشركات إلى البحث عن بدائل من بينها المحطات الفضائية التجارية والكبسولات الآلية المستقلة لنقل الأبحاث من المختبر إلى التصنيع التجاري.
تكمن إحدى أبرز مزايا الفضاء في الجاذبية الصغرى خصوصا عند التعامل مع الأدوية القائمة على البروتينات التي يتطلب تطوير بعضها تحكما دقيقا في تكوين البلورات.
على الأرض تؤثر الجاذبية في حركة السوائل والجزيئات ونمو البلورات بينما تتراجع هذه التأثيرات في الفضاء مما قد يسمح بتكوين بلورات بروتينية أكثر انتظاما وتجانسا.
أجريت على متن محطة الفضاء الدولية خلال أكثر من عقدين مئات التجارب المرتبطة بنمو البلورات البروتينية ومن أبرز الأمثلة عقار السرطان كيترودا أو بيمبروليزوماب الذي طورته شركة ميرك.
أظهرت دراسة أن التجارب أنتجت في ظروف معينة بلورات أكثر تجانسا مقارنة بتجارب أرضية وهي نتيجة قد تساعد في تطوير تركيبات دوائية عالية التركيز وأسهل في إعطائها للمرضى.
في مايو ألفين وستة وعشرين أرسلت شركة بيو أوربت البريطانية وحدة إلى المحطة لإجراء تجارب على إنتاج بلورات بروتينية عالية النقاء.
تذهب شركة فاردا سبيس إندستريز الأميركية إلى نموذج أكثر طموحا يقوم على إرسال مختبرات دوائية صغيرة وغير مأهولة إلى الفضاء قبل إعادتها إلى الأرض بعد انتهاء عملية التصنيع.
في إحدى تجاربها عالجت الشركة في الفضاء عقار ريتونافير المستخدم في علاجات فيروس نقص المناعة البشرية وأظهرت دراسة أن الشكل البلوري الذي عولج في المدار احتفظ باستقراره الفيزيائي والكيميائي بعد عودته إلى الأرض.
لماذا هذا مهم؟
تكمن الفائدة المحتملة في أن بعض الأدوية البيولوجية تتطلب حاليا التسريب الوريدي لفترات طويلة بينما قد تتيح التركيبات الأعلى تركيزا إعطاء جرعات بحجم أصغر عن طريق الحقن تحت الجلد.
تكتسب نتيجة استقرار البلورات بعد العودة أهمية بالنسبة لجدوى التصنيع الفضائي إذ يتعين على المواد المنتجة في المدار الحفاظ على خصائصها بعد رحلة العودة.
رغم النتائج الواعدة لا يعني ذلك أن مصانع الأدوية ستغادر الأرض قريبا إذ أن إرسال المواد إلى الفضاء وإعادتها لا يزال أكثر تعقيدا وكلفة من التصنيع التقليدي كما أن معظم الأدوية لا تحتاج إلى بيئة الجاذبية الصغرى.
لذلك تتركز التجارب على مواد تجمع بين القيمة المرتفعة والحجم الصغير إلى جانب وجود ميزة واضحة للتصنيع في الفضاء يصعب تحقيقها على الأرض.
تبرز تحديات تنظيمية جديدة إذ تخضع صناعة الأدوية لمعايير صارمة تتعلق بسلامة التصنيع وجودة المنتج مما يطرح أسئلة بشأن كيفية مراقبة مصانع تعمل على ارتفاع مئات الكيلومترات ومدى تأثر المواد بالإشعاع وعمليات الإطلاق والعودة.
مع اقتراب تقاعد محطة الفضاء الدولية المتوقع قرابة عام ألفين وثلاثين تواجه الشركات تحديا إضافيا يتمثل في إيجاد بنية فضائية بديلة لمواصلة هذه التجارب.
ماذا بعد؟
من المتوقع أن تواصل الشركات اختبار المحطات التجارية والكبسولات الآلية كبدائل للمحطة الدولية مع التركيز على أدوية عالية القيمة وصغيرة الحجم.
ستحتاج النتائج الواعدة إلى مزيد من الدراسات لإثبات الجدوى التجارية والتنظيمية قبل أي انتقال حقيقي من التجارب إلى التصنيع المنتظم في الفضاء.
يظل السؤال مفتوحا حول مدى قدرة القطاع على تحويل مزايا الجاذبية الصغرى إلى منتجات دوائية مجدية على نطاق أوسع.
