ماذا حدث؟
في ظل انهيار المحادثات التجارية مع الولايات المتحدة واندلاع أسوأ حرب تجارية ثنائية في التاريخ الحديث بين البلدين يسعى رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى إعادة توجيه جزء كبير من علاقات بلاده الاقتصادية والاستراتيجية نحو أوروبا بحسب ما نشرته صحيفة وول ستريت جورنال في خطوة جريئة تهدف إلى إعادة صياغة الروابط الاقتصادية للتحالف الغربي.
أجرى كارني على مدى أشهر محادثات خاصة مع معظم القادة الأوروبيين البارزين بدءا من فرنسا وإيطاليا وألمانيا ودول الدول الاسكندنافية وصولا إلى بعض أفراد العائلات المالكة الأقل شهرة في القارة.
ركزت مباحثات كارني على سبل دمج كندا وسكانها البالغ عددهم نحو واحد وأربعين مليون نسمة بشكل أعمق في التكتل الأوروبي الذي يضم سبعا وعشرين دولة ومن بين القادة الذين تواصل معهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرتس ورئيس الوزراء النرويجي والرئيس الفنلندي.
تبحث أوتاوا وبروكسل صيغة جديدة للتعاون تتجاوز اتفاقيات التجارة التقليدية دون الوصول إلى عضوية كندا الكاملة في الاتحاد الأوروبي ومن بين الأفكار المطروحة منح كندا وضع عضو منتسب في الاتحاد الأوروبي بما يسمح بتوسيع التعاون في قطاعات استراتيجية مثل الطاقة والذكاء الاصطناعي والمعادن الحيوية وأشباه الموصلات والدفاع.
يناقش الجانبان تسهيل حركة السلع والخدمات والعمال في بعض القطاعات إضافة إلى إمكانية السماح للكنديين بالعيش والعمل في أوروبا دون تأشيرات إلى جانب مشاريع مشتركة في الكابلات البحرية ومراكز البيانات والتخزين السحابي والأقمار الصناعية.
في مجال الطاقة تسعى كندا إلى تطوير البنية التحتية اللازمة لتصدير الغاز والأسمدة إلى أوروبا وتقليل اعتماد القارة على الطاقة الروسية كما تبحث التعاون في منطقة القطب الشمالي وفتح طرق جديدة لنقل البضائع ويمتد التعاون المقترح إلى التعليم والبحث العلمي وبرامج التبادل الطلابي.
لماذا هذا مهم؟
يأتي هذا التحول في وقت تعتمد فيه كندا بشدة على السوق الأميركية إذ تذهب نحو ثلثي صادراتها إلى الولايات المتحدة لذلك تواجه أوتاوا تحديا كبيرا في تقليل هذا الاعتماد خصوصا أن الاقتصاد الأوروبي قد لا يكون قادرا على استيعاب حجم التجارة الكندية مع أميركا.
يرى مسؤولون أوروبيون أن التقارب مع كندا قد يمثل اختبارا لقدرة الاتحاد الأوروبي على ابتكار نموذج جديد للعلاقات مع دول ديمقراطية خارج الاتحاد لكنهم يحذرون في الوقت نفسه من صعوبة تنفيذ بعض طموحات كارني خاصة أن اتفاقية التجارة بين كندا والاتحاد الأوروبي لم تصدق عليها جميع الدول الأوروبية حتى الآن.
يراقب البيت الأبيض التحرك الكندي بحذر بينما يخشى بعض المسؤولين الأوروبيين من أن تستخدم أوتاوا التقارب مع أوروبا كورقة ضغط في مفاوضاتها مع واشنطن.
يرى رئيس وزراء كندا أن التحولات التي أحدثتها الإدارة الأميركية الحالية ليست مؤقتة بل تمثل تغييرا طويل الأمد وقال إن كندا تواجه قطيعة وليست مرحلة انتقالية في إشارة إلى ضرورة إعادة النظر في اعتمادها الاقتصادي والاستراتيجي على الولايات المتحدة.
في المجال الدفاعي تعزز كندا تعاونها مع أوروبا ومن أبرز الخطوات المفاوضات بشأن شراء غواصات ألمانية بقيمة تصل إلى خمسة وعشرين مليار دولار كما يعمل الجانبان على تقليل الاعتماد على التكنولوجيا والمعدات الدفاعية الأميركية.
ماذا بعد؟
من المتوقع أن تتواصل المحادثات حول صيغة العضو المنتسب ومشاريع الطاقة والدفاع والبحث العلمي مع ترقب مواقف الدول الأوروبية التي لم تصدق بعد على اتفاقية التجارة القائمة.
سيظل التحدي الأكبر أمام أوتاوا هو تحقيق توازن يقلل الاعتماد على السوق الأميركية دون قطع الروابط بالكامل بينما تتابع واشنطن الخطوات الكندية بحذر.
يختصر أحد المسؤولين الكنديين التحول الجاري بالقول إن بلاده تنتقل من النظر إلى نفسها بوصفها دولة في أميركا الشمالية إلى دولة عابرة للمحيط الأطلسي في محاولة لبناء شراكة استراتيجية جديدة مع أوروبا.
