ماذا حدث؟
شهدت منطقة الساحل الإفريقي وبحيرة تشاد تحولاً نوعياً وخطيراً في الأساليب القتالية للجماعات الإرهابية مثل “بوكو حرام” وتنظيم “داعش” وجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين”.
فقد بدأت هذه التنظيمات في الاعتماد بشكل مكثف على الطائرات المسيّرة، حيث انتقلت من استخدامها في أغراض الاستطلاع والمراقبة إلى توظيفها كأداة هجومية فاعلة.
وتشير التقارير الأمنية إلى أن هذه الجماعات حصلت على عشرات المسيّرات التجارية الرخيصة وقامت بتعديلها تقنياً لتصبح قادرة على حمل متفجرات واستهداف الثكنات العسكرية والمنشآت الحيوية بدقة.
وقد تجلى هذا النمط الجديد في الهجمات الدموية المتزامنة التي استهدفت مطار نيامي وقواعد عسكرية في النيجر، مما أثبت قدرة هذه التنظيمات على دمج التكنولوجيا الحديثة مع عملياتها الميدانية لتقليل خسائرها البشرية ورفع تكلفة المواجهة على الحكومات المركزية.
لماذا هذا مهم؟
تكمن خطورة هذا التطور في كونه يعقد جهود مكافحة الإرهاب ويقوض التفوق الميداني للجيوش النظامية في المنطقة، خاصة في ظل وجود فراغ استخباراتي كبير نتج عن إنهاء الوجود العسكري الأمريكي وتفكيك قاعدة “أغاديس” في النيجر.
إن امتلاك الجماعات المسلحة لمسيرات قادرة على الطيران بسرعة ستين كيلومتراً في الساعة وحمل شحنات متفجرة يعني أنها تجاوزت مرحلة التمرد التقليدي إلى مرحلة “الحرب التكنولوجية”.
وهذا التحول يمنح الإرهابيين ميزة العمليات النوعية عن بُعد، ويسمح لهم بتنفيذ هجمات منسقة تتجاوز الحدود الجغرافية الوعرة بين مالي والنيجر ونيجيريا.
كما أن قدرة هذه الجماعات على الصمود أمام الضربات الجوية الخارجية، كما حدث مؤخراً، تؤكد امتلاكها لتقنيات دفاعية وهجومية تجعل من الصعب التنبؤ بمسار هجماتها القادمة أو إحباطها قبل وقوعها.
ماذا بعد؟
يفرض هذا الواقع الجديد على دول المنطقة ضرورة إعادة صياغة استراتيجياتها الأمنية والتركيز على تعزيز القدرات الاستخباراتية والمراقبة الجوية لتعويض النقص المعلوماتي الحالي.
ومن المتوقع أن تتوسع نيجيريا ودول الجوار في عقد شراكات دولية ومحلية لتطوير أنظمة مضادة للمسيّرات وإنتاج طائرات اعتراضية وبرمجيات ذكية قادرة على التشويش على تقنيات الإرهابيين.
المرحلة القادمة ستشهد سباقاً محموعاً على امتلاك التكنولوجيا الدفاعية، حيث لم يعد الصراع يقتصر على المواجهات المباشرة على الأرض، بل انتقل إلى الفضاء الجوي القريب.
وبدون استثمار سريع وجاد في تقنيات التصدي للمسيّرات وإعادة تفعيل التنسيق الأمني متعدد الجنسيات، فإن حكومات الساحل الإفريقي تواجه خطر فقدان السيطرة العملياتية لصالح تنظيمات أصبحت أكثر مرونة وقدرة على تطويع التكنولوجيا الحديثة لخدمة أهدافها التدميرية.