إلى أين يتجه لبنان؟

إلى أين يتجه لبنان؟

ماذا حدث؟

خلال لحظات قليلة، انتقل جنوب لبنان من هدوء حذر إلى مشهد مفتوح على الخوف والدمار. رسائل إنذار عاجلة نشرها المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي طالبت سكان مبانٍ سكنية في خمس بلدات شمال نهر الليطاني بالإخلاء الفوري.

دقائق فقط كانت كافية لتفكيك الحياة اليومية، إذ خرجت العائلات مسرعة، تاركة خلفها بيوتًا مغلقة على القلق وأسئلة الأطفال. بعد وقت قصير، نُفذت الغارات على المباني نفسها، في تصعيد اعتُبر الأوسع منذ وقف إطلاق النار.

وزارة الصحة اللبنانية أعلنت إصابة 19 شخصًا في بلدة قناريت، بينهم إعلاميون، في مؤشر جديد على هشاشة الوضع الأمني.

هذه التطورات جاءت متزامنة مع انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني، باستثناء نقاط محدودة لا تزال القوات الإسرائيلية متمركزة فيها، ومع اقتراب الحكومة من تسلّم خطة الجيش المتعلقة بحصر السلاح شمال النهر وصولًا إلى نهر الأولي.

لماذا هذا مهم؟

تكمن خطورة ما يجري في أنه يتجاوز كونه تصعيدًا عسكريًا موضعيًا، ليمسّ جوهر الأزمة السيادية في لبنان، والمتمثلة بملف سلاح حزب الله.

الغارات الأخيرة بدت رسالة مباشرة بأن الوقت السياسي يضيق، وأن الوقائع الميدانية قد تفرض إيقاعها قبل أي تفاوض داخلي.

في هذا السياق، وصف رئيس الحكومة نواف سلام ما يحدث بأنه “حرب استنزاف من طرف واحد”، في تعبير يعكس شعور الدولة بالعجز عن التحكم الكامل بمسار التصعيد.

في المقابل، يتمسك حزب الله بسلاحه شمال الليطاني، رغم انتفاء دوره العسكري المباشر في مواجهة إسرائيل جنوب النهر، ما فتح نقاشًا واسعًا حول وظيفة هذا السلاح وحدوده.

هذا الانقسام لا يهدد فقط الاستقرار الأمني، بل يعمّق الانقسام السياسي الداخلي، ويضع لبنان أمام ضغوط دولية متزايدة، في وقت يعاني فيه أصلًا من أزمات اقتصادية ومؤسساتية خانقة.

ماذا بعد؟

المشهد اللبناني يتجه إلى مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها ثلاثة مسارات خطرة:

المسار الأول يتمثل في إمكانية الوصول إلى تسوية داخلية، تقضي بدمج السلاح في إطار الدولة، مقابل ضمانات سياسية وأمنية، وهو خيار يبدو نظريًا ممكنًا لكنه يصطدم بانعدام الثقة المتبادل.

المسار الثاني أكثر توترًا، ويتمثل في استمرار المراوحة، مع بقاء السلاح خارج سيطرة الدولة، ما يمنح إسرائيل مبررات إضافية لتوسيع ضرباتها، ويجعل الجنوب ساحة مفتوحة على جولات استنزاف متكررة.

أما المسار الثالث، وهو الأخطر، فيكمن في فشل الدولة عن فرض سلطتها، ما قد يدفع إسرائيل إلى تدخل أوسع لتدمير ما تعتبره بنية عسكرية للحزب، مع ما يحمله ذلك من تهجير ودمار واسع، وربما فرض وقائع جديدة على الأرض.

في ظل هذه السيناريوهات، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة، إذ سيُختبر فيها مدى قدرة الدولة اللبنانية على الإمساك بقرارها السيادي، وقدرة القوى الداخلية على تقديم المصلحة الوطنية على حساب الحسابات الإقليمية.

لبنان اليوم يقف على حافة دقيقة، حيث أي خطأ في التقدير قد ينقله من أزمة مفتوحة إلى انفجار شامل يصعب احتواؤه.

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *