بعد تراجعهم العسكري.. ما مصير أكراد سوريا؟

بعد تراجعهم العسكري.. ما مصير أكراد سوريا؟

ماذا حدث؟

بعد نحو أربعة عشر شهرًا من سقوط نظام بشار الأسد، شهد شمال وشرق سوريا تحولًا ميدانيًا لافتًا مع استعادة الحكومة السورية السيطرة على مساحات واسعة كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية.

هذا التقدم جاء بعد أشهر من توتر واشتباكات محدودة، انتهت بمواجهة عسكرية مباشرة أجبرت المقاتلين الأكراد على التراجع من مناطق في حلب، ثم من أجزاء واسعة من الرقة ودير الزور والحسكة.

ومع هذا التقدم، انتقلت إلى يد الدولة السورية مناطق تضم حقول نفط رئيسية وسدودًا ومناطق زراعية واسعة، إضافة إلى سجون ومعسكرات يحتجز فيها عناصر من تنظيم “داعش” وأفراد من عائلاتهم.

في المقابل، أعلنت قيادة “قسد” أن قواتها انسحبت إلى مناطق ذات أغلبية كردية، في وقت فرضت فيه دمشق مهلة قصيرة لوضع آلية لدمج ما تبقى من هذه القوات في مؤسسات الدولة، ضمن اتفاق لوقف إطلاق النار لا يزال هشًا وقابلًا للاهتزاز.

لماذا هذا مهم؟

تكمن أهمية هذا التطور في أنه يعيد رسم خريطة النفوذ داخل سوريا، ويقرب البلاد من نموذج الدولة المركزية بعد سنوات من التفكك. تراجع “قسد” لا يعني فقط خسارة عسكرية، بل يمثل نهاية مرحلة كان فيها الأكراد شريكًا رئيسيًا للولايات المتحدة في محاربة تنظيم “داعش”، ويتمتعون بهامش واسع من الحكم الذاتي.

كما يكشف هذا التحول عن تغير واضح في الموقف الأميركي، إذ لم تعد واشنطن مستعدة للدفاع عن مشروع الحكم الذاتي الكردي، وبدأت تتعامل مع دمشق باعتبارها شريكًا محتملًا في الاستقرار ومكافحة الإرهاب.

هذا التحول يضع الأكراد أمام معادلة صعبة، تتداخل فيها المخاوف الأمنية مع الأسئلة السياسية المتعلقة بالهوية والحقوق والمستقبل.

كذلك، ينعكس المشهد على التوازنات الإقليمية، خاصة في ظل الحساسية التركية تجاه أي كيان كردي مسلح قرب حدودها، ما يجعل الملف الكردي السوري نقطة تقاطع لمصالح متعارضة.

ماذا بعد؟

المسار المقبل لا يزال مفتوحًا على عدة احتمالات، يتصدرها خيار الاندماج في الدولة السورية بشروط تفاوضية. دمشق تعرض دمج القوات ومنح حقوق المواطنة والحماية الثقافية والمشاركة السياسية، وهو عرض تصفه واشنطن بأنه فرصة نادرة للأكراد.

في المقابل، يخشى كثيرون داخل الأوساط الكردية من أن يؤدي هذا المسار إلى تقليص نفوذهم السياسي وفقدان المكاسب التي تحققت خلال سنوات الحرب.

استمرار التوتر حول الترتيبات الأمنية والإدارية في الحسكة والقامشلي قد يدفع نحو جولات تفاوض شاقة، أو نحو احتكاكات جديدة إذا انهار وقف إطلاق النار.

إقليميًا، تراقب تركيا التطورات عن كثب، وتضغط باتجاه نزع سلاح الفصائل الكردية، محذرة من أي تصعيد قد يعيد إشعال صراعات عابرة للحدود.

في المحصلة، يبدو أن مستقبل أكراد سوريا سيتحدد بقدرتهم على المناورة السياسية أكثر من قدرتهم العسكرية، ضمن واقع جديد تميل فيه الكفة لصالح الدولة المركزية، وتغيب فيه الضمانات الدولية التي طالما اعتمدوا عليها.

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *